أبو الليث السمرقندي

562

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ويقال : بكل شرف علما تَعْبَثُونَ يعني : تلعبون ويقال : تضربون ، فتأخذون المال ممن مر بكم . وروي عن ابن عباس في قوله تعالى : آيَةً تَعْبَثُونَ « يعني : تبنون ما لا تسكنون » . وقال أهل اللغة : كل لعب لا لذة فيه فهو عبث . واللعب : ما كان فيه لذة ، فهم إذا بنوا بناء ولا منفعة لهم فيه ، فكأنهم يعبثون . ثم قال عز وجل : وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ يعني : القصور . وقال مجاهد : المصانع قصور وحصون . وقال القتبي : المصانع البناء ، واحدها مصنعة ويقال : الريع الارتفاع من الأرض . ومعناه : أنكم تبنون البناء والقصور ، وتظنون أن ذلك يحصنكم من أقدار اللّه تعالى . ويقال : وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ يعني : الحياض لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ يعني : كأنكم تخلدون في الدنيا . قوله عز وجل : وَإِذا بَطَشْتُمْ يعني : عاقبتم ويقال : يعني : ضربتم بالسوط وقتلتم بالسيف بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ يعني : فعلتم كفعل الجبارين ، لأن الجبارين يضربون ويقتلون بغير حق ، وأصل البطش في اللغة : هو الأخذ بالقهر والغلبة فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ يعني : أعطاكم بِما تَعْلَمُونَ ما تعلمون من الخير . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 133 إلى 140 ] أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ ( 133 ) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 134 ) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 135 ) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ ( 136 ) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ( 137 ) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 138 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 140 ) ثم بيّن فقال : أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ يعني : أعطاكم الأموال والبنين وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يعني : البساتين والأنهار الجارية ، فاعرفوا رب هذه النعمة ، واشكروه ليديم عليكم النعمة ، فإنكم إن لم تشكروه ف إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني : أعلم أنه يصيبكم العذاب في الدنيا والآخرة . قوله عزّ وجل : قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ يعني : نهيتنا وخوّفتنا من العذاب أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ يعني : من الناهين . روي عن ابن عباس أنه قال : « هو الوعظ بعينه » إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ قرأ أبو عمرو والكسائي وابن كثير : إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ بنصب الخاء ، وقرأ الباقون بالضم . فمن قرأ بالنصب ، فمعناه : ما هذا العذاب الذي تذكره إلا أحاديث الأولين . ويقال : الإحياء بعد الموت لا يكون ، وإنما هذا خلق الأولين ، أنهم يعيشون ثم يموتون وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قال القتبي : الخلق الكذب كقوله : إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ ص : 7 ] وكقوله : إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ [ الشعراء : 137 ] أي : خوضهم للكذب . والعرب تقول للخرافات : أحاديث الخلق قال : وأصل الخلق التقدير ، وهاهنا أراد به : اختلافهم وكذبهم . وأما من قرأ بضم الخاء ، فمعناه : إن هذا إلا عادة الأولين ، والعادة أيضا تحتمل المعنيين ، مثل الأول .